الفترة الصليبية (1099 – 1260)

Timeline date: 
Pre-colonial

 .
(1260 الفترة الصليبية (1099 – 


بعد العرب عاد إلى المنطقة الحكام المسيحيون على هيئة الصليبيين. وكان الصليبيون مقاتلين أتوا من بلاد غرب أوروبا موفدين من الحبر الأعظم والكنيسة. وكانوا يهدفون إلى تحرير الأماكن المسيحية المقدسة في بلادنا. وقد احتلوا البلاد وأقاموا فيها مملكة مسيحية محلية. وعادت الناصرة خلال هذه الفترة إلى الازدهار وتحولت من قرية بسيطة إلى مدينة صغيرة. من أجل تلبية احتياجات العبادة لأعداد كبيرة من الحجاج المسيحيين الذين قدموا إلى المدينة بنيت كنيسة البشارة الصليبية الفخمة وهو المشروع الذي ساهم فيه فنانون فرنسيون كثيرون. وانتقلت السيطرة من المسيحيين الأرثوذكس إلى الكاثوليك الذين حددوا أن يكون فيها مقر المطران. في هذه الفترة أقيمت كنيسة القديس جبرائيل على مقربة من "عين العذراء". 

 .
(1260 الفترة الصليبية (1099 – 


بعد العرب عاد إلى المنطقة الحكام المسيحيون على هيئة الصليبيين. وكان الصليبيون مقاتلين أتوا من بلاد غرب أوروبا موفدين من الحبر الأعظم والكنيسة. وكانوا يهدفون إلى تحرير الأماكن المسيحية المقدسة في بلادنا. وقد احتلوا البلاد وأقاموا فيها مملكة مسيحية محلية. وعادت الناصرة خلال هذه الفترة إلى الازدهار وتحولت من قرية بسيطة إلى مدينة صغيرة. من أجل تلبية احتياجات العبادة لأعداد كبيرة من الحجاج المسيحيين الذين قدموا إلى المدينة بنيت كنيسة البشارة الصليبية الفخمة وهو المشروع الذي ساهم فيه فنانون فرنسيون كثيرون. وانتقلت السيطرة من المسيحيين الأرثوذكس إلى الكاثوليك الذين حددوا أن يكون فيها مقر المطران. في هذه الفترة أقيمت كنيسة القديس جبرائيل على مقربة من "عين العذراء". 

نبذة حول الفترة الصليبية 
في عام 1095 ألقى قداسة الحبر الأعظم أوربانوس الثاني في مدينة كلرمون في فرنسا خطبة تطرق فيها إلى الأتراك والكفار المسلمين الذين قاموا بغزو البلاد المقدسة ودعا النبلاء إلى الخروج وتحرير القدس والسكان المسيحيين في الشرق من أيديهم. كان هذا النداء بداية الحملات الصليبية التي احتل مسيحيو أوروبا خلالها فلسطين وسيطروا عليها طوال 160 عامًا إلى أن عاد العرب إلى المنطقة. وأقيمت في الشرق الأوسط عدة ممالك صليبية صغيرة منها مملكة القدس ومملكة الجليل التي كانت الناصرة تنتمي إليها. وقد أديرت هذه الممالك مثل الممالك الإقطاعية في أوروبا: كان فيها محاربون، رجال دين، مدنيون وفلاحون من سكان المكان. الفلاحون الأوروبيون لم يحضروا إلى بلادنا وبالتالي فقد صرفت شؤون السلطة من قبل أقلية مسيحية مقاتلة

الناصرة في الفترة الصليبية: الترميم والازدهار 
في عام 1001 تمَّ احتلال الجليل من قبل الصليبيين وأقيمت فيه إمارة الجليل برئاسة الأمير تنكادر، وقد حدثت في هذه الفترة تغييرات هامة في حياة الناصرة. ادخل تنكارد إلى المدينة عددا من الكهنة ومنح كنيسة البشارة تبرعات كبيرة من الأموال. وكان من المتعارف عليه في عهد الصليبيين أنه وبسبب قدسية الناصرة يُحظر إخضاعها لحكم علماني عادي، غير أن هذا الاتفاق لم يطبق بحذافيره بسبب الخلافات بين الدير على جبل طابور ورؤساء الكنيسة الصليبية في القدس حول مكانة الناصرة. رهبان الكنيسة على جبل طابور طالبوا بضم المدينة إلى ديرهم. واعتمدوا في ذلك على تقاليد بيزنطية تقول إن المسؤول عن الدير والذي يحمل درجة أسقف يستفيد أيضا من مدخولات مدينة الناصرة، لأنه لم يكن فيها أسقف في الفترة البيزنطية. وفي المقابل طالب رؤساء الكنيسة في القدس بإقامة أسقفية جديدة في المدينة. وطالما استمرت الخلافات استمرت سيطرة أمراء الجليل العلمانيين على المدينة. وتجسدت هذه الهيمنة بدفن الأمير إيغ من سانت أومر بكنيسة البشارة

في عام 1108 تمت تسوية الخلاف من قبل الملك بولدوين الأول الذي قرر أن يقيم في المدينة أسقفية كاثوليكية جديدة ورفع مكانة الناصرة إلى مدينة لوائية (Civitas). الأسقف على دير جبل طابور تلقى تعويضا هو عبارة عن نصف مدخولات "لواء الناصرة" الذي وضع تحت سلطة الأسقف الجديد في الناصرة، حيث تكون اللواء من المدينة نفسها بكافة كنائسها، وعشر قرى من المنطقة ما بين صفورية وكفر كنا. ومن ضمن ما أعطي للأسقف كروم عديدة في المنطقة استعملت في تصنيع النبيذ لمراسم العبادة وللتجارة. تحولت كنيسة البشارة إلى كتدرائية للأسقف أما الكهنة والرهبان الأرثوذكس فحرموا من المكان. وحل محلهم كهنة كاثوليك فرنسيون. وقد أقام الرهبان والكهنة الكاثوليك حول الكتدرائية وأقاموا حولها حيًّا كنسيًّا. وانضم إليهم سكان علمانيون، من بينهم أشخاص عملوا في إدارة ضيعات المطران. مع مرور السنين توسع هذا الحي إلى الشرق باتجاه "عين العذراء" وبنيت هناك كنيسة الملاك جبرائيل. تجمع اليونانيون الأرثوذكس والمسيحيون الشرقيون ("السوريون") حول مبنى الكنيس القديم الذي تحول في نهاية الفترة البيزنطية إلى كنيسة

جرت العادة على أن يحتفلوا سنويا بعيد العذراء في تاريخ 15 آب بمشاركة أعداد كبيرة من المؤمنين الذين أموا المدينة. وعدا السكان والكهنة المحليين شارك في المسيرة الدينية والصلوات أيضا رؤساء الكنيسة والمملكة الصليبية يرافقهم رجال البلاط والعديد من النبلاء. والحجاج الذين قدموا إلى البلاد حاولوا التعريج عل المدينة خلال رحلتهم وتحديدا في هذه الفترة. الحركة المتزايدة للحجاج حققت للناصرة واردات مالية وتبرعات من الدول الأوروبية. زيارة المدينة خلفت انطباعا كبيرا في نظر الحجاج. فيما يلي الأقوال الواردة على لسان أحد الحجاج، وهو شخص ألماني اسمه يوهان من فيرسبورغ، وقد زار الناصرة قرابة عام 1160

هذه المدينة البعيدة حوالي عشرة اميال عن طبريا هي عاصمة الجليل ومدينة المخلص كان فيها سر الإنسانية وفيها نشأ وتتلمذ وبالتالي فيسمى "الناصري". اسم الناصرة (كما يلفظ باللاتينية) يعني إكليلا من الورد أو حديقة من الشجيرات: وليس هذا التفسير منزوع السبب والمعنى حيث فيها كانت نشأة أكليل الورد الذي أسهم في خلاص العالم. وهذا الإكليل هو مريم العذراء التي بشرها الملاك جبرائيل في الناصرة نفسها بأنها سوف تحمل في رحمها أفضل وأرقى الأبناء... ونجد في الناصرة العين التي كان يسوع يسحب منها المياه في طفولته عندما كان يساعد أمه

بناء كنيسة البشارة الصليبية 
كانت كنيسة البشارة أهم مشاريع البناء التي نفذها الصليبيون في الناصرة إذ استثمروا فيها كافة مواردهم الاقتصادية وقوتهم الإنتاجية. كنيسة البشارة البيزنطية القديمة التي عانت من الإهمال وكانت بحاجة للترميم الأساسي، لم تلبِّ احتياجات العبادة لدى المؤمنين والحجاج. في النصف الثاني من القرن الثاني عشر بدأ الصليبيون بإقامة كنيسة بشارة جديدة فوق المغارة المقدسة. كانت هذه كثدرائية صليبية بأسلوب رومانسكي، وهو المشروع الذي عمل فيه فنانون من فرنسا الشرقية ومن ولاية بروفانس.. بالإضافة إلى لوازم العبادة وضعت في الكثدرائية مكتبة غنية بقي منها الكتالوج.

وقد ضمت المكتبة بالأساس كتبا مقدسة وصلاة ومؤلفات لاهوتية خاصة بالكنيسة الكاثوليكية. بعض الكتب زخرفت ضمن ورشات التزيين لكنيسة القيامة في القدس، التي كانت في الفترة الصليبية مركزًا لفنون زخرفة الكتب. صارت كنيسة البشارة الجديدة المركز الكنسي للصليبيين في منطقة الجليل كلها. الحجاج الذين زاروا الكنيسة وصفوها بلغة شاعرية فنية جميلة وأعربوا عن إعجابهم بفخامتها. في عام 1908 عثر في الناصرة على خمس تحف مزخرفة فيها أوصاف من حياة الرسل حسب الأناجيل ومصادر أقدم. في الزخارف نشاهد بطرس، يعقوب، توما ومتى مع الإشارة إلى أنها بقيت بصورة مدهشة. يمكن مشاهدتها اليوم في القسم الجنوبي من كنيسة البشارة غير بعيد عن مغارة البشارة

الحياة في الناصرة في الفترة الصليبية 
على الرغم من مشاريع البناء الفخمة والكبرى والأعداد الكبيرة من الحجاج الذين زاروا المدينة بقيت الناصرة مدينة صغيرة لم يكن من حولها سور يحميها. التحصين الوحيد تمحور بالكثدرائية الجديدة التي كانت في الواقع كنيسة محصنة. لم يكن من بين سكانها نبلاء. المدنيون من رعايا الأسقف انتظموا في جماعة صليبية. وأقيمت بالأساس محكمة للبرجوازيين كانت تنطبق صلاحياتها التحكيمية على كافة العلمانيين الذين سكنوا في المدينة والقرى التابعة للأسقف. حسب المتبع في مملكة الصليبيين ألزم الأسقف بتزويد الجيش الصليبي بمائة وخمسين جنديا مما يدل على أن المدينة بقيت صغيرة نسبيا، وبالتالي كان الأساقفة يتغيبون عن المدينة في غالبية أيام السنة سواء كان ذلك للمكوث في طبريا لعاصمة إمارة الجليل في حينه، أو للقيام بمهامّ معينة في بلاط الملوك. وعند تغيُّب الأساقفة يشغل مهامهم البريور prior في كنيسة البشارة الذي يتمّ تعيينه من قبل هيئة الكهنة في الكتدرائية

نهاية الناصرة الصليبية 
ابتداء من عام 1183 بدأت مكانة المملكة الصليبية تتقلقل في ظل زيادة ممارسة الضغط عليها من القائد المسلم صلاح الدين. في هذه السنة قام صلاح الدين بغزو الجليل واقترب جيشه من الناصرة. فخاف سكان المدينة من الجيش المقترب منهم وهربوا للاحتماء في كنيسة البشارة المحصنة. وبسبب الضغط الشديد من قبل الهاربين على أبواب الكنيسة فإن الكثيرين قد دهسوا تحت أقدام زملائهم. وصارت الناصرة المركز السياسي لمملكة الجليل، وصارت صفورية مقر الجيش الصليبي مع اقتراب أي غزو إسلامي. في عام 1184 عقد الملك بولدوين الرابع اجتماعا لأفراد البلاط في الناصرة وبسبب المرض الذي ألمّ به أعلن عن نقل أملاكه وكنوزه إلى نسيبه غاي المليسنياني. في ربيع 1187 عقد غاي الذي كان في هذه الفترة ملكا على القدس، اجتماعا لأفراد بلاطه في الناصرة لبحث الخطوات التي يجب اتخاذها ضد خصمه أمير الجليل ريمون من الطربلسي. وتم التوصل خلال الاجتماع إلى تسوية لكن الخصومة بينهما لم تنتهِ، والدليل على ذلك هو انقسام الجيش الصليبي في معركة حطين

في حزيران 1187 شن صلاح الدين هجوما آخر على الجليل وكان في المقابل الجيش الصليبي في الناصرة. وانتهت المعركة التي لم يكن فيها للصليبيين أي أمل، بالقضاء على الجيش وبقتل إعداد كبيرة من أهالي الناصرة. بعد سقوط الصليبيين في معركة حطين سقطت الناصرة في يدي صلاح الدين بدون مقاومة. وقد تمكن رجال الدين من أن يطمروا تحت التراب أعمدة الكثدرائية التي كان بناؤها على وشك الانتهاء

بفضل أهمية يسوع ومكانته في التقاليد الأسلامية أمر صلاح الدين بعدم المس بالأماكن المقدسة للمسيحيين في المدينة لكن الكهنة والرهبان الكاثوليك طردوا منها. وكان الطرد قصير الأجل ففي العام 1192 وقعت اتفاقية سلام بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد أتاحت عودة الكهنة الكاثوليك إلى الناصرة، وفي وقت لاحق سمح السلطان الملك العادل خليفة صلاح الدين باستئناف وصول الحجاج إلى المدينة

في عام 1229 أعيدت الناصرة للصليبيين من خلال اتفاق السلام بين الإمبراطور فريدريك الثاني الذي كان أيضا ملكا على "القدس الصليبية"، وبين سلطان مصر الملك الكامل. وتم الاتفاق على أن تبقى المدينة بدون سلاح وأن لا يكون للصليبيين جيش فيها. هذا الشرط منع عودة الصليبيين إلى المدينة باستثناء الكهنة. أيضا الأساقفة الذين صاروا من جديد سادة الناصرة وجبوا المدخولات منها لم يعودوا إليها بل بقوا في عكا. كان سكانها الرئيسيين المسيحيون الشرقيون، الذين اعتبرت كنيستهم الكنيس الذي كان يصلي فيه يسوع

وللإجمال فإن أهمية الناصرة إبان الفترة الثانية لحكم الصليبيين في المدينة كانت سفر الحجاج المسيحيين إليها. وبدأ السفر إلى الناصرة يتخذ شكلا طقوسيًّا: شملت صلوات ومنحت المؤمنين المشاركين فيها العفو عن خطاياهم. مسيرة الحج بدأت من كنيسة البشارة، ومرت من أمام الكنيس، وواصلت إلى كنيسة الملاك جبرائيل و"عين العذراء" وانتهت في جبل القفزة. كما في القرن الـ 12 حاول الحجاج الوصول إلى عيدالعذراء في 15 آب والمشاركة في المراسم التقليدية

المصدر: الناصرة ومواقعها، تحرير: إيلي شيلر، صادر عن "أريئيل"، 1982.

 

مؤشرات: